منتدى التعليم الثانوي التكنولوجي قصر البخاري
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
الواقع والتقريب في تاريخ التعريب Uoooo_10
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التشرف بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو و ترغب في الانضمام إلي أسرة منتدى قصر البخاري سنتشرف بتسجيلك

شكرا
ادارة المنتدى
الأستاذ:شيخ رشيد
منتدى التعليم الثانوي التكنولوجي قصر البخاري
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
الواقع والتقريب في تاريخ التعريب Uoooo_10
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التشرف بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو و ترغب في الانضمام إلي أسرة منتدى قصر البخاري سنتشرف بتسجيلك

شكرا
ادارة المنتدى
الأستاذ:شيخ رشيد
منتدى التعليم الثانوي التكنولوجي قصر البخاري
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.



 
الرئيسيةالتسجيلدخول

 

 الواقع والتقريب في تاريخ التعريب

اذهب الى الأسفل 
2 مشترك
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى بن الحاج
مشرف قسم
مشرف قسم
مصطفى بن الحاج


ذكر عدد الرسائل : 1284
العمر : 58
نقاط : 3594
تاريخ التسجيل : 26/09/2008

الواقع والتقريب في تاريخ التعريب Empty
مُساهمةموضوع: الواقع والتقريب في تاريخ التعريب   الواقع والتقريب في تاريخ التعريب Emptyالسبت سبتمبر 18 2010, 07:52


الواقع والتقريب في تاريخ التعريب


محمد عبدالله عبداللطيف


مقدمة

التعريب وإن اختلف مضمونه وتعددت تعريفاته قضية لغوية في المقام الأول. وما يجمع المعاني المختلفة للتعريب هو عاملان: كونها جميعاً تتعلق بظواهر لغوية؛ وكون هذه الظواهر في مجملها تتصل باللغة العربية التي منها اشتقت كلمة ‘تعريب’ . و تاريخ اللغة العربية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بتاريخ الحضارة العربية الإسلامية بحيث لا يمكن فهم واحدة دون الأخرى. ولذلك فالتعريب ليس قضية لغوية فحسب، بل هو أيضاً قضية حضارية واجتماعية. وموضوع هذا البحث هو محاولة إعادة قراءة تطور مفهوم التعريب قراءة حوارية تربط تطور مفاهيم التعريب المختلفة بتطور الثقافة والحضارة الإسلاميتين؛ ومحاولة تسليط الضوء على الأسباب الكامنة وراء تعدد المفاهيم المتداولة التي تعود عليها كلمة "تعريب"؛ ومحاولة فهمها من منظور حضاري تاريخي بدلاً من اختزالها اختزالاً مخلاً بتصويرها على أنها قضية لغوية فحسب. وسنعتمد في هذه القراءة على آراء بعض اللغويين التي ترى ضرورة النظر لتاريخ اللغة من حيث ارتباطها بالواقع التاريخي وليس كظاهرة منعزلة بذاتها. و للفيلسوف اللغوي الروسي ميخائيل باختين آراء مهمة بهذا الصدد حول جدل علاقة اللغة بالواقع من جهة، وعلاقات اللغات واللهجات بعضها ببعض من جهة أخرى. وأطلق باختين على نهجه هذا "مبدأ الحوراية". و الحوار هو بالنسبة لباختين مبدأ اعم واشمل يتخلل الوجود الإنساني كله؛ وهو أيضاً، بالنسبة لباختين، عنصر أساسي لفهم المعني اللغوي، وعامل جوهري في نشوء الوعي الإنساني.

وفلسفة باختين الحوارية فلسفة واسعة متشعبة كتب عنها الكثير ويصعب تلخيصها في صفحات معدودة، وبالرغم من ذلك فسنحاول فيما يلي توضيح المبادئ الأساسية لهذه الفلسفة وسوف نركز على الجوانب ذات العلاقة بالقضية التي نحن بصددها.

الأسس الفلسفية للحوارية:

"الحوارية" كما يراها باختين مبدأ فلسفي ينطلق من نظرة للوجود على أنه حوار دائم مستمر بين ما هو موجود وما هو متواجد. فالوجود لا يكون للشيء في ذاته ولا لذاته، ولا وفي وجود ما هو موجود حوله فقط بل بالحوار بين الاثنين. كما أن هذا الحوار يربط ما هو موجود بما غائب، وما هو حاضر بما هو ماضٍ، فالأشياء يضيء بعضها البعض الأخر ويوجد بعضها البعض الأخر. وأي محاولة لفهم شيء في ذاته إن لم تكن خاطئة فهي تكون في أحسن الأحوال ناقصة. ولذلك لا يمكن معرفة الشيء إلا بمدى مشابهته أو اختلافه، ارتباطه أو انفصاله عن الأشياء الأخرى التي يتزامن وجوده معها فهي تحده وتعطيه المعنى.

و يرىهوليكويست (1990) أن الحوارية في مفهوم باختين تعتمد التزامن والاختلاف كمنطلقين رئيسين لفهم الوجود والوعي الإنسانيين، والأشياء حسب هذا المنظور تتعلق ببعضها بعلاقة تتموضع في مكان ما بين التشابه والاختلاف. كما إن العلاقة بين التشابه والاختلاف هي في حد ذاتها علاقة حوارية ؛ فكلما زاد الاختلاف اضمحل التشابه، وأقل التشابه هو أشد الاختلاف، فالاختلاف والتشابه وجهان لعملة واحدة، وهما حسب هوليكويست (1990) هما قطبا الحوارية التي تحاول من خلالها فهم العالم.1

والحوارية في مفهوم باختين تحدد الوعي الإنساني ووعي الفرد بذاته. فالفرد لا يعي ذاته إلا في عيون الآخرين، ومن خلال تشابهه أو اختلافه عمن هم في محيطه.و أهم حدثان في حياة الفرد، الولادة والممات لا يستطيع رؤيتهما إلا الآخر فقط. و يؤكد باختين هذه العلاقة بقوله:

"أنا اكون من أنا فقط عندما اكشف نفسي للآخر، ...وهنا يتضح بأن الخبرة مهما كانت داخلية تتكون على حدود علاقتي بالأخر، وهي هنا تقابل خبرة الأخر، ولذلك فجوهرها يتشكل من علاقتها بالأخر.... كينونة الفرد نفسها (خارجية كانت أم داخلية) تتشكل من تواصله مع الآخر، ولذلك يكون الوجود نفسه تواصلياً. ويكون وجوداً مع الآخر وله...ولذلك فالنفس الإنسانية ليس لديها مساحة مستقلة داخلية."2
ولذلك تلعب علاقة الذات بالآخر دوراً رئيساً في عملية الوعي الذاتي. و لكن باختين يرى أن الذات تعي نفسها ليس فقط عندما تتماهى مع الآخر لترى نفسها انعكاساً فيه، ولكن أيضاً في عودتها لوعيها الداخلي، فهناك حركة دؤوبة بين نظرة الذات لنفسها من الخارج في عيون الآخرين ونظرتها لنفسها من الداخل. وذلك ضروري لتكوين ذات جديدة مختلفة عن الآخر.3 وهذه الرؤية المعقدة المبهمة نوعاً ما تحتمها الطبيعة الجدلية لعلاقة الفرد بمحيطه الإجتماعي، أي العلاقة بين ما هو ذاتي وما هو "بين-ذاتي"، وهي عبارة يفضلها بعض المشتغلين بعلم النفس الاجتماعي على كلمة "موضوعي".

وينطلق باختين من رؤيته هذه على مستوى الفرد إلى رؤية ميتافيزيقية أعم وأشمل ترى تماثلاً في تركيب العلاقات اللغوية بين الأفراد وبين الأجناس اللغوية `language genre’ التي يتكلمون بها داخل لغة ما. لأن كل جنس لغوي يشكل رؤية مختلفة للعالم الخارجي. فلغة العلم، ولغة الدين، ولغة الأدب، على سبيل المثال، تعكس مواقف ورؤىً مختلفة للعالم والحياة. وهذا أيضاً ينطبق على اللغات المختلفة أيضا. فالعلاقات الحوارية بين الأفراد في المجتمع ليست إلا صورة مصغرة للعلاقات بين اللهجات والأجناس اللغوية، بل وبين اللغات المختلفة، فهناك حوار مستمر ودائم يؤطر حضور الكل في الجزء وتعلق الجزء بالكل.

واللغة كما يراها باختين بالرغم من كونها وسيلة اتصال في المقام الأول، هي أيضاً المحيط العميق الذي تنعكس على سطحه العلاقات الأيديولوجية و الاجتماعية ويضم في أحشائه تاريخ وتطور تلك العلاقات. فهي أداة الحوار الأولى التي يستخدمها الناس للتفاهم، لقضاء حاجاتهم، للترويح عن أنفسهم. اللغة التي يستخدمها المصلي للصلاة، والعالم في كتبه، الشاعر في شعره، الحاكم في إصدار أوامره، الأطفال في لهوهم، والفلاح لمناداة بهائمه. وهذه الأنماط والنصوص واللهجات التي لها وجود فعلي هي دائمة التغير لتكيف نفسها لحاجاتهم، ولها زخم خاص قوي كالسيل الذي يصعب تقنينه أو السيطرة عليه.

و هو يرى أنه يجب

التفريق بين مفهومين للغة: اللغة كنظام، واللغة كوظيفة أو كوجود مادي، اللغة كجسد. فالأولى تتعلق بالنظام اللغوي، الذي يسعى اللغويون واللسانيون لتقعيده واستنباط أحكامه. وهي، على عكس الاعتقاد الشائع، لا وجود مادي لها وإنما هي ذات طبيعة ما ورائية مجردة و تقع بمثابة الروح من الجسد. وهذا التجريد لا يكون تلقائياً فالقواعد تجرد اللغة الموصوفة من عوارض الاستخدام المختلفة كالأخطاء، والنواقص، والضرورات الشعرية والأدبية وغيرها، ولذلك فهي تصف كائناً مختبرياً متخيلاً أكثر منه موجوداً. أما اللغة الحقيقية فهي بحر متلاطم من الرؤى والإيديولوجيات المختلفة.

وهذه الخاصية هي ما وصفه ميكائيل باختين وأسماه ظاهرة "التغاير اللغوي" .`Heteroglossia’ عندما وصف اللغة بأنها: "في أي وقت من وجودها ،اللغة ذات وضع متغاير من القمة للقاع، إنها تمثل تعايش التناقضات الاجتماعية و الأيدلوجية بين الماضي والحاضر... بين المجموعات الأيديولوجية في الحاضر، بين اتجاهات، ومدارس، ودوائر، وهكذا دواليك، وكلها لها تجسيد شكلي في اللغة"4

واللغة تستمد هذه الخاصية من المجتمع ذاته، أي أن ‘التغاير اللغوي’ انعكاساً ل ‘التغاير الاجتماعي’ ، و في اللغة على هذا المستوى تفوح كل جملة أو كلمة برائحة موقف أو شخص أو مهنة ما. ومن اللغة يمكن إلى حد كبير أن نستشف من هو المتكلم أو الكاتب، ما هي شخصيته وأي شريحة في المجتمع يمثل. وهناك حسب باختين ‘أجناس لغوية أولية’ تنظم استخدام اللغة في المواقف المختلفة.أجناس لغوية لها قدر كبير من الثبات وتعيد إنتاج نفسها كلما تكررت المواقف الاجتماعية التي تحتمها،لأن لكل مقام اجتماعي مقال يناسبه اكثر من غيره. وفوق هذه الأجناس الأولية توجد "أجناس لغوية عليا"، وهي أجناس لغوية خاصة أكثر تنظيماً و تعقيداً ، مثل أجناس الكتابة العلمية والأدبية وغيرها، وهذه الأجناس تشكل بالضرورة تطوراً من أجناس أولية، ولا يمكن أن تتطور بمفردها.

فحقيقة الأمر إذاً هي أنه ليس هناك لغة بالمعنى الحرفي لكلمة لغة (عربية وإنجليزية وفرنسية)، وإنما هناك مجموعة كبيرة من اللهيجات والأساليب والأنماط واللهجات يطلق عليها تعميماً وتجاوزاً كلمة "اللغة X ". ولا يعرف أحد بالتحديد طبيعة ذلك الشيء المشترك بينها الذي يمكن أن تعود عليه تلك التسمية، إذا أنها لا يمكن أن يتجسد في أسلوب أو نمط أو لهجة بعينها، ولا يمكن لنص أو لهجة أن يجمل النظام اللغوي كله. وقد اختلف العلماء حول ماهية "اللغة الروح" فمنهم من قال بطبيعتها القبلية ومن هم من قال بأنها ذات طابع نفسي تاريخاني.5

و على الرغم من ذلك جرى العرف أن تبرز لهجة ما وتتمركز وتكتسب أهمية خاصة. وعادة ما تحظى هذه اللهجة باهتمام اللغويين ويختارونها كمعيار يقيسون عليه قواعد اللغة وبناء على ذلك يتم وصف وتقييم اللهجات الأخرى. و يبنى هذا الاختيار على أسس واعتبارات غير لغوية، كأهمية اللهجة المصطفاة سياسياً أو دينياً أو تاريخياً.

يبقى أن نقول أن اللغات والحضارات كيانات حية تتفاعل وتتغير باستمرار كنتيجة حتمية لسعي الإنسان للحفاظ على بقائه، لأن الحفاظ على البقاء كما يقول مونود (1972) يبقى المشروع الإنساني الأول الذي تتفرع منه المشاريع الأخرى. ويرى مونود أن هذا المشروع ينطوي على تناقض ضرورى لاستمراره. فالإنسان من أجل الحفاظ على البقاء مضطر للتكيف والتطور. فاندماج الشباب في المجموعة ضروري من الناحية النفسية والاجتماعية للأفراد، وأيضاً لاستمرار الجماعة لأنه يسهم في استمرار عوامل الثبات في تكوينها وإعادة لإنتاجها لنفسها، ولكن إعادة إنتاج الجماعة لنفسها، ينتج عنه تطورها وتعدد أفرادها و يحمل أيضاً بين طياته عوامل تغيرها وهذا ما قصده مونود بـ "مبدأ التناقض في الوجود" (The paradox of being)6.

أما باختين فيصور هذا التناقض على مستوى اللغة، وهو يرى أن اللغة بالضرورة محكومة بالتجاذب بين عوامل التوحد والثبات وعوامل التعدد. بين ما أسماه ب "قوى الجذب" (centripetal forces) و"قوى الطرد" (centrifugal forces) 7. وتاريخ أي لغة ما محكوم بالتأرجح بين هاتين القوتين فقوى الطرد اللغوي هي مصدر التغاير اللغوي الذي تكلمنا عنه أعلاه، وهي مصدر التغير والتطور اللغوي. أما قوى الجذب فهى القوى المختلفة التي تحاول الحفاظ على وحدة اللغة وثباتها، ومنها توريث قواعد اللغة للأجيال الجديدة، واشتراط قواعد معينة للكتابة في اللغة، والتمسك بلهجة معيارية معينة.

الحوارية و اللغة والثقافة:

يعتقد كثير من علماء الإناسة وعلم الاجتماع أن من التعاريف المهمة للحضارة، علي تعدد هذه التعاريف، هو القول أن الحضارة أو الثقافة هي مجموع السلوكيات والإنجازات المادية والعقلية عند تجريدها من وسطها المادي. أي أنها تشبه اللغة في كونها كل مجرد يشمل بين ثناياه المادي والعقلي والروحي. 8

ويرى الكثير من هؤلاء أن قدرة الإنسان على استخدام الرموز هي التي مكنته من تطوير الحضارات. فايرنست كازرير Earnest Casserier يرى أن اللغة هي العامل الأساسي المشترك للثقافات البشرية، وبدونها لم يكن بالإمكان تطوير حضارة بشرية ولذلك فهو يصف الإنسان بالحيوان الرمزي "حيوان رمزي" “animal symbolicum” .9 فالإنسان يتميز عن الحيوان بالقدرة على "التجريد الرمزي"، أي التفكير باستخدام رموز مجردة لغوية.

واللغة ليست فقط أداة للحضارة وإنما الوعاء الحافظ لها. وقد أولى الفيلسوف الألماني هيردر علاقة اللغة بالثقافة اهتماماً كبيراً حيث كان يرى أن:

"المجموعات البشرية، صغيرة كانت أم كبيرة، هي نتاج الظروف المناخية، البيئة الجغرافية، الحاجات العضوية والطبيعية، وعوامل أخرى مشابهة، وهم محكومون بتراث مشترك وذاكرة جماعية واحدة، تكون اللغة هي رابطها الأول وأداتها الرئيسة-في الحقيقة اللغة أكثر من أداة-إن التجسيد في حد ذاته هو اللغة"10

وقد ذكر الكواكبي أن حال الأمة في الاستبداد والحرية تستنطق من لغتها إذا كانت كثيرة ألفاظ التعظيم أو ألفاظ الخنوع أو تفتقر إليها. وكان الأفغاني يعتقد أن فقدان الأمة للغتها يفقدها هويتها.11

من هنا نستنتج أن للغة أهمية مركزية بالنسبة لأية أمة، فهي تجسد تاريخ الأمة

وواقعها، و أن دراسة الأمة يجب أن تمر عبر لغتها، وبالمقابل لا يمكن أن نفهم لغة قوم إلا إذا سلطنا الضوء على واقعهم وتاريخهم. وأي محاولة للفصل بين الواقع واللغة ستقود حتماً إما للتغريب أو الابتسار.

وهنا يجب أن نذكر بأن دراسة اللغة من حيث علاقتها بالتاريخ والحضارة لا تتم على مستوى النظام اللغوي المجرد فحسب، أو على مستوى النحو والمعاجم، وإنما يجب أن تركز على دراسة اللغة كأداة تواصل، أي على مستوى الأجناس اللغوية التي تعكس الواقع التاريخي في حقبة ما. ودراسة الأجناس هذه تأخذ بعين الاعتبار تعايشها وتواجدها في نفس الحقبة التاريخية، تشابهها واختلافها لأن الأجناس اللغوية تبرز ويضيء بعضها البعض الآخر. فعلى مستوى التواصل تدخل اللغة إلى الحياة تكيفها وتتكيف معها، وعلي هذا المستوى أيضاً تتأثر اللغة وتؤثر.و كما ذكرنا سابقاً فالعلاقة الحوارية بين الذات والآخر، هي علاقة موجودة أيضاً اللغة والثقافة ككل فـ :"في عالم الثقافات، الآخر هو أهم وأقوى أداة للوعي الذاتي، في عين الثقافة الأخرى فقط تستطيع ثقافة ما فهم نفسها بطريقة أعمق وأشمل"12 فليس هناك حضارة عذراء، أو أمة نقية طاهرة، وإنما ومن فجر التاريخ اتصلت الحضارات، تلاحمت وتلاقحت وأثرت وتأثرت.

بدون الاحتكاك بالحضارات الأخرى لا يمكن أن تعي إي حضارة ذاتها، فهي ترى نفسها بمقارنتها بغيرها، مقارنتها بحضارة أخرى مشابهة أو مختلفة، حضارة بعيدة أو أخرى قريبة. فحوار الحضارات ليس شيئاً كمالياً تتفضل به حضارة ما وإنما هو أساسي لوجود الحضارة ذاتها ويشكل مصدر وعي الحضارة بنفسها الذي بدونه لا يمكن تمييزها. وليس بالضرورة في هذا الشأن أن يكون الحوار حواراً سلمياً إذ أن الصدام و الصراع بين الحضارات يعد أيضاً نوعاً من الحوار.

والتأثر اللغوي بالحضارات المجاورة كما يرى بعض علماء لسانيات الإناسة (Anthrpological Linguistics) يمكن إن يكون إما على شكل ‘الاقتراض’، اقتراض المفردات والعبارات؛ أو على شكل ‘التداخل اللغوي’ (interference) أي التأثر على المستوى الصوتيمي والقواعدي13. ويرى فولي W. Foley أن الاقتراض اللفظي، على عكس التداخل اللغوي، يتم بسرعة كبيرة، ولا يحتاج وقت طويل ويمكن أن يكون في مجال محدود، أو مجالات عدة. أما التداخل اللغوي فهو يتطلب وقتاً طويلاً وتمازجاً وتزاوجاً أكبر بين الحضارات. كما ويتطلب انفتاحاً أطول وتقبلاً أقوى من قبل الحضارة المقترضة.
و أغلب الظن أن التغييرات اللغوية نتيجة لتأثر حضارة بأخرى تأخذ مكانها على المستوي الأول مستوى الإقراض اللغوي والتركيبي بشكل مكثف ومؤثر و تكتسب صفة الديمومة إذا استمرت وتجذرت ووصلت للنظام اللغوي ذاته. ويمكن القول أن الاقتراض اللفظي يتم على المستوى الوظيفي للغة ويكون عادة سطحياً، أما التداخل اللغوي فيتم على مستوى اللغة كنظام.14


وتصر النظرة الحوارية للغة على النظر إلى النصوص اللغوية من خلال السياق الحضاري العام لها، إلى فهمها من حيث تعلقها ببعضها البعض، وعلاقتها بوسطها الثقافي. فلا توجد لفظة واحدة خاصة بمتكلم بذاته بصفة مستقلة، فكل لفظة أو نص هي من نتاج تواصل المتخاطبين عن طريق اللغة، نتاج الوضع الاجتماعي المركب والعام التي تستخدم فيه اللغة.15 النص اللغوي هو نص فردي واجتماعي في آن واحد بكل ما في هذه العبارة من تناقض.

فالنص يستعيد، يستجيب، يؤيد، يعارض أو يذكر بنصوص أخرى ذات علاقة. وبدون فهم علاقة النص بالنصوص الأخرى يبقى النص عصي على الفهم. ولذلك فالثقافة بالنسبة لباختين هي مجموع النصوص في مجتمع ما التي تنتظم في سلسلة متماسكة من العلاقات "البين نصية" أو العلاقات التناصية كما يسميها بعض الباحثين.16 وهي تشكل البعد اللغوي الإيديولوجي للثقافة. ولذلك كان باختين يشبه الثقافة على سبيل المجاز بأنها النص الجامع لجميع النصوص في مجتمع ما.17ويمكن القول أن التأثير اللغوي على لغة ما يتم عندما تكون النصوص المستوردة من لغة لأخرى من الكثافة بحيث تشكل نمطاً نصياً متكاملاً ضمن اللغة المتأثرة.

وبالرغم من ذلك كان باختين يرى أن بعض النصوص لها نصيب أكبر من التفرد والخصوصية الذاتية لأنها ذات وزن ثقافي أكبر و لها إمكانية الاستمرار كنصوص مستقلة قائمة بذاتها، ولها اهمية أكثر من أهمية الذات التي انتجتها. وهذا أمر يتطابق مع رؤية كيلى (1979) بأن لبعض الثقافات نصوص مركزية (central texts) تتمحور حولها الثقافات وتكون مصدر إلهام لها، وهى تشكل منطقة جذب للغة التي تكتب بها، وترجمتها تتمركز حول موضوعها وليس مؤلفها وأسماها (object centered) وذلك بخلاف بعض النصوص الأخرى التى تتموضع ترجمتها حول كاتبها (subject centered) ، وتأخذ بعين الاعتبار ذات وشخص الكاتب كمدخل لفهم النص أكثر من النص نفسه. هذه النصوص المركزية تشكل مركز ثقل في الثقافة وتحدد مسارها.18

إن التركيز على علاقة اللغة بالثقافة والواقع، والنظرة للثقافة من منظار اللغة تجعل من مبدأ الحوارية لدى باختين مدخلاً جيداً محتمل لفهم قضية التعريب، فالعربية من ناحية كلمة جامعة تنعت شيئاً عاماً تطور واختلف تاريخياً وثقافياً وجغرافياً. وهذا التطور كان نتيجة لعلاقة مستمرة بالآخر في المحيطين التاريخي والجغرافي للغة العربية. وكذلك كلمة "تعريب" من ناحية أخري اكتسبت معان مختلفة نتيجة للواقع الزماني والمكاني المتغير للغة العربية.


المدلولات القديمة لمصطلح التعريب:


لقد أصبح مألوفاً لدى الكثير ممن اهتموا بقضية التعريب عدم وجود تعريف أو مرجعية محددة لما تدل عليه عبارة "تعريب"، فهي كلمة عامة ذات مفهوم مرن، وتعني أشياء كثيرة بعضها

في كثير من الأحيان لا يتعلق ببعض، واختلف معناها القديم عن معانيها الحديثة إلى حد كبير حيث أضاف التاريخ العربي والإسلامي إلى معناها أبعاداً كثيرة ساهمت في زيادة عمومية مرجعية هذه الكلمة وغموضها. ونحن نرى أن الفهم الصحيح لمعاني هذه الكلمة يتطلب فهمها في السياقات التاريخية والأيديولوجية المختلفة التي مرت بها الثقافة العربية.

فكلمة "التَّعْريب" كما ذكر ابن منظور لها معان كثيرة أغلبها غير حسن؛ ومن بين معانيها "الفحش" أو "ما قبح من الكلام". وقال الأزهري "ويحتمل أن يكون التَّعْريب على من يقول بلسانه المنكر من هذا لأنه يفسد عليه كلامه". وتأتي أيضاً بمعنى "المنع والإنكار"، إلا أنه من بين معانيها، وهذا المعنى ليس أكثر شيوعاً عند العرب القدماء، "قطع سعف النخل" وتشذيبه.19 وترد الكلمة بالمعني الأخيرً في القاموس المحيط أيضاً إلا أن الفيروزآبادي يضيف للمعنى الأخير معنى آخر هو "تهذيب المنطق من اللحن" قياساً على قطع سعف النخل.20 وتكاد جميع المصادر تجمع على أن ‘التَّعْريب’ بمعنى تهذيب المنطق وتنقية الكلام جاء بعد الإسلام نتيجة مخالطة العرب للشعوب المجاورة ودخول الكثير من أبناء الشعوب الأخرى الإسلام وانتشار الَّلَحْنُ في الكلام العربي.21وهذا يخالف المعنى الأخر المتداول للتعريب وهو محاولة فصل الأصيل من الدخيل، أو تحديد ما دخل العربية من اللغات الأخرى الأجنبية.

والتعريب، بمفهومه القديم الذي يعني اٌقتراض ألفاظ من لغات أجنبية ليس لها مقابل في العربية، قديم جداً ويسبق ظهور الإسلام. وهو أمر طبيعي تفرضه طبيعة التفاعل والحوار مع الثقافات الأخرى المجاورة. فعلى سبيل المثال، تأثر جنوب ووسط الجزيرة بالحبشة والفرس بينما كان تأثر الشمال بالروم واليونان. وذكرت كتب التاريخ أن كسرى آنو شروان أرسل قواته لمساعدة اليمنيين علي طرد الأحباش من اليمن وبقي الكثير منهم هناك واستقروا و يقال أنه إلى يومنا هذا يوجد جماعة تدعى "الأبناء" ذات أصول فارسية.22

واستمرت علاقة اليمن بفارس، السياسية والاقتصادية مدة طويلة بعد ذلك، وتولت قبائل عربية حراسة قوافل التجارة المتنقلة بين اليمن والحبشة وفارس وانتشرت الأسواق على طرق التجارة في الحيرة و عمان وهجر (الأحساء حالياً) والمشقر وغيرها. واتضح تأثر العرب بالفرس في الكثير من المفردات التي دخلت الشعر الجاهلي وفي المعتقدات الدينية التي انتقلت من فارس إلى الجزيرة العربية حيث كان سكان اليمن و جنوب ووسط الجزيرة يقدسون النار، وانتشرت المجوسية في اليمن ونجران وعمان والبحرين. وهناك شواهد كثيرة من الشعر الجاهلي على تأثر العربية في تلك المناطق باللغة الفارسية وهي ترد في ما وردنا من شعر طرفة بن العبد وعدي بن زيد على سبيل المثال. وألفاظ مثل: الكأس، الإبريق، الديوان، الكوب، الورد، المسك، الياقوت، الدينار، القنطار التي يحسبها العامة عربية، هي ألفاظ فارسية الأصل تجذرت في اللغة العربية فتعربت.23وورد بعض هذه الألفاظ في القرآن الكريم، النص العربي المقدس والذي يعتبر النص المركزي للغة العربية، مثل سراط وسندس وأستبرق



أما سكان شمال الجزيرة وغربها فقد تأثروا بشكل أكبر بالرومان، ويستدل على ذلك بعبادتهم للأصنام تأثراً بالرومان على عكس الأنحاء الأخرى في الجزيرة التي تأثرت بالفرس ودانت بالمجوسية وعبدت النار.24

فعرب الجاهلية وصدر الإسلام في جنوب الجزيرة ووسطها وشمالها جميعهم اقترضوا باستمرار الفاظاً ممن جاورهم من حضارات بالرغم من أنهم لم يتطرقوا لهذه القضية في آدابهم ولم يسموها تعريباً.25 فالاقتراض اللغة العربية عملية ثابتة مستمرة لأنها كانت محكومة بحوار دائم مع الثقافات المجاورة، إلا أن ذلك قد يتسارع أو يتباطأ لعوامل عارضة مختلفة. فمن المستحيل على لغة ما حية كالعربية تنتشر في منطقة ظلت دوماً منطقة التقاءٍ وصراعٍ لحضارات مختلفة أن تنأى بنفسها عن عوامل التأثر والتأثير اللغوي.

وقد كانت الثقافة العربية قبل الإسلام ثقافة شعرية ذات طابع شفهي فرضتها، كما يرى بروكلمان، طبيعة حياة العرب البدوية الرعوية المتنقلة. ولم يكتب من أشعار الجاهلية إلا الأشعار المهمة فقط في مناسبات الأسواق التجارية التي تتيح بعض الاستقرار النسبي. ومارس عرب ما قبل الإسلام ديانة وثنية في معظم أرجاءالجزيرة. وبالرغم من انتشار النصرانية واليهودية بين قبائل قضاعة وتميم وطئ، وتردد ذكر أسماء الراهبان في شعرهم، إلا أنه لم تنتشر بينهم ثقافة مسيحية حقيقية. على عكس حال نصارى الحيرة الذي يغلب على حياتهم الاستقرار النسبي فقد انتشرت بينهم الثقافة النصرانية ولذلك بقوا على نصرانيتهم إلى العهد العباسى.26

وكما يتضح فلم يكن لعرب الجاهلية، لانعدام الاستقرار، نصوص حضارية مركزية ولا لهجة مركزية بالمعنى المفهوم، ولم يكن لهم حس قومي أو ولاء أممي، وإنما كان ولائهم الأول لقبائلهم وأنسابهم، ولذلك لم تكن لهم عصبية لغوية ولذلك أقترضوا من الحضارات المجاورة بصورة تلقائية. ولم تشكل قضية الدخيل والأصيل هاجساً بالنسبة لهم.

هذا بالرغم من أن بعض المعلقات تعلق على الكعبة، وأن بعض القصائد المشهورة تلقى في سوق عكاظ القريب من مكة، إلا أن لهجة قريش لم تكن قد اكتسبت صفة اللهجة المركزية بعد. ولم تكن للعرب، ثقافة نثرية بمعنى الكلمة عدا بعض الأمثال وبعض الخطب والقصص التي تمجد أيام العرب، وتتكلم عن الحيوانات وبعض الخرافات.27

و يجدر بالذكر هنا أن الفرس الذين أثروا في العرب كثيراً تأثروا أيضاً بهم، شانهم شأن الحضارات الأخرى، فاقترضوا من عرب الجاهلية بعض أنماط وتفعيلات الشعر الجاهلي التي دخلت الفارسية الفهلوية، وكذلك المصطلحات المتعلقة بالصحراء وسلع ومنتجات اليمن وجنوب الجزيرة، واكتتب ملوك الفرس بعض العرب كعدي بن زيد وغيره في دواوينهم واستخدموهم كمترجمين28. إلا أن حجم تأثر أو تأثير حضارة ما يعتمد على مدي قوة تلك الحضارة وانتعاشها، ونظرة الحضارات الأخرى لها، فقول ابن خلدون بأن المغلوب مولع بتقليد الغالب مهم إلى حد كبير في هذا الشأن.

ونتيجة لظهور الإسلام وبدء مرحلة الفتوحات الإسلامية، وتوسع الدولة الإسلامية وزيادة التمازج الحضاري بين العرب وجاراتهم من الحضارات الأخرى تغير وضع اللغة العربية كثيراً. فنزل القرآن الكريم على الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) ليكون نصاً لغوياً مركزياً التفت حوله قبائل العرب. وقد جاء هذا النص الرباني بتشريع ديني ومدني كامل ساهم في لم شمل و زيادة تلاحم القبائل العربية المتناحرة سابقاً. وأحدث نقلة ثقافية في مفاهيم العرب وقيمهم، التي أصبحت تتكلم عن المساواة والعدل بدلاً من الشجاعة والقتال والحرب. وكان لدعوة الإسلام إلى المساواة والعدل، مثل رفع عمر بن الخطاب الرق عن سكان البلاد المفتوحة وتأمينهم على أرضهم، أثر كبير في تهافت العرب وغير العرب على قبول الرسالة المحمدية، ودخول الإسلام بشكل كبير وسريع،ومن ثم قبول الشعوب الأخرى للغة العربية والتحمس لتعلمها. 29 فانتشرت اللغة العربية وازدادت أهميتها بالنسبة لما جاورها من اللغات. أما على مستوى اللغة العربية ذاتها، وهذا أمر مهم جداً، فقد أسهم ظهور الإسلام أيضاً في إيجاد لهجة عربية مركزية التف حولها العرب وغيرهم، هي لهجة قريش ولغة القرآن الكريم. وهي لهجة تتوفر فيها، إلى جاني الأهمية الدينية، عوامل أخرى تؤهلها للعب مثل هذا الدور، إذ تحتل مكاناً جغرافياً وسطاً نسبياً على طريق تجاري هام، وتتكلمها قبيلة ذات غنى واسع يشتغل أهلها معظمهم بالتجارة، وبها تعقد أسواق تجارية وثقافية بصفة منتظمة أشبه ما تكون بالمؤتمرات الدورية.

وعليه أصبحت لهجة قريش اللهجة المعيارية التي أطلق عليها العربية الفصحى و أصبحت هي المركز الذي تبلور حوله مركز الجذب اللغوي العربي. فأخذت العربية بالتمركز وتعاظمت قوى الجذب المركزي فيها(centripetal forces) وانتقلت من طور التأثر إلى طور التأثير، فالفرس، على سبيل المثال، الذين أثروا في العربية قبل الإسلام، تأثروا بالعربية بعد الإسلام، وتعلموا العربية وترجموا إليها، وليس العكس، ولعب القرآن الكريم دور النص المركزي المحافظ على العربية إلى يومنا هذا.

وقد مهد الإسلام لظهور كيان سياسي إسلامي منظم تتوفر فيه عناصر الدولة، وذي طابع عربي لكون اللغة العربية هي لغة هذا الكيان. وأصبح للعرب أدباً غنياً بمعنى الكلمة بعد دخول أساليب جديدة في الكتابة للغة العربية، وهو شيء لم يكن قبل ظهور الإسلام.30وكان طبيعياً عند انتشار اللغة العربية بهذه السرعة أن تبدأ على هوامشها عوامل التغير.

و هذه إنما سبقها تأثر العرب بطرق معيشة الحواضر التي فتحوها، واستقرارهم فيها واختلاطهم بأهلها، ودخول أساليب جديدة في معيشتهم. فبدأت في العربية مرحلة ما يمكن تسميته ب "التعريب الجذبي" (centripetal Arabization) أي التعريب الذي يتجه من الهوامش اللغوية للغات واللهجات المجاورة نحو المركز اللغوي العربي (لهجة قريش). واحتلت اللغة العربية الفصحى مكانة مركزية بين اللغات المجاورة،. ومن هنا بدأ الاهتمام باللغة العربية من العرب وغيرهم على حد سواء.

فالعرب، كما يقول الدوري ، بعد أن حملوا راية الإسلام في البلاد التي فتحوها أحسوا بدورهم التاريخي وبأهميتهم وجعلوا ينظرون لأنفسهم كقلة ممتازة، ويشعرون بنوع من الاستعلاء على الشعوب الأخرى. وكان هذا الشعور منتشراً بين علية القوم منهم الذين ملكوا الجواري والخدم من الأجناس الأخرى، وقاس هؤلاء عروبتهم بانتمائهم للغتهم العربية.31وحرصوا على تعليمها لأولادهم لتأكيد تميزهم عن غيرهم وحفاظاً علي عروبتهم.

أما غير العرب من الأقاليم البعيدة، فقد حرصوا على فهم وتعلم اللغة العربية التي يستخدمونها في العبادة، والكثير منهم تعلم العربية ولم يكتسبها اكتساباً. ولذلك فالكثير مما كتب في علوم وقواعد اللغة كتبه أناس لم تكن العربية لغتهم الأم مثل سيبويه، و الكسائي والفراء وغيرهم، وكانوا يهدفون إلى تسهيل مهمة تعلم العربية للموالى الآخرين. كما أن تلك المرحلة شهدت أيضاً "رسم اللغة العربية"، وما يسمى أيضاً بـ "الإعجام" أي وضع النقاط على حروفها على يد أبي الأسود الدؤلي (69هـ) وذلك بتوصية من زياد بن أبيه خوفاً على الكتاب المنزل من اللحن والضياع،32 ثم أتم ذلك نصر بن عاصم (89هـ) عندما وضع "نقاط الإعجام" على الأحرف بتوصية من الحجاج بن يوسف وكان بذلك أن حفظت اللغة العربية إلى حد كبير. وقد مهد ذلك الطريق للخليل بن أحمد فيما(175هـ) بعد ليشكل حروف اللغة العربية ويضع قواعد ضبط حركاتها.33

ومما لاشك فيه فقد حصل تغير كبير في الحياة العربية في ذلك الوقت، فظهر للعرب مدن وحواضر مثل البصرة والكوفة وبغداد التي اختلطت فيها القبائل العربية كتميم وقريش وباهلة وثقيف بالفرس والآراميون والزنج واليونانيون واليهود وغيرهم. و تطبع العرب ببعض من طباع الشعوب التي احتكوا بها وحاكوها في طرق معيشتها.

وربما كان انتشار الأجناس الأدبية الجديدة الطارئة على الحياة العربية آنذاك نتيجة مباشرة لانتشار أنماط حياة اجتماعية وسياسية جديدة لم يألفها العرب من قبل، فانتشرت أجناس من الشعر جديدة مثل الغزل الماجن، و"الخمريات"، و"الطرديات"، نتيجة لانتشار الغناء، والجواري والحانات، فتغير الشعر شكلاً ومضموناً.34وظهرت أساليب جديدة في الكتابة مثل فن المقامات وأدب السياسة والمواعظ وأساليب أخرى في الكتابة التي لم تظهر كنشاط لغوي بحت، وإنما ظهرت نتيجة لظهور نظم جديدة اجتماعية وإدارية في الحواضر العربية.

كما بدت ضرورة تعريب الإدارة والدواوين، ونظم الإدارة، لجعلها في متناول الأخلاط من الشعوب والأعراق التي تكلمت لغات مختلفة في سائر الأمصار الإسلامية، والتي تتكلم العربية كلغة ثانية لأسباب دينية، وهذا مما عزز قوى جذب المركز اللغوي العربي، ولكن في نفس الوقت أثر أيضاً على إحداث بعض التغيير على اللغة العربية نظراً لتوسع قاعدة المتكلمين بها وتعدد خلفياتهم الثقافية واللغوية.

وقد ساعد علي انتشار العربية في المجتمعات الجديدة انتشار استعمال الورق الذي جلب من الصين في البداية ثم تم تصنيعه في خراسان، وعم استخدامه بعض الحواضر العربية، فكثر ذكر الورق والوراقين في ذلك الوقت.35 فبدأ عصر جديد للحضارة الإسلامية لعبت فيه اللغة العربية دور اللغة الوسيطة ‘Lingua Franca’ .

ومن هنا اكتسبت كلمة "التعريب" معنى جديد يتعلق إلى حد كبير بوصف التغير الذي يطرأ على الكلمات الجديدة التي أدخلتها الشعوب الإسلامية الأخرى في العربية، وكيفية التعامل مع المفردات والمصطلحات الجديدة التي يرغب الكثير ممن الباحثين إدخالها اللغة، وقد كان دخول الكلمات إلى العربية في ذلك الوقت يتم بشكل مكثف، لفت على ما يبدوا أنظار النحاة واللغويين العرب. فعرف السيوطي المعرب غير الأصيل بـ "ما استعملته العرب من الألفاظ الموضوعة لمعانٍ في غير لغتها"36، و اشترط الجوهري في تعريب الاسم العجمي "أن تتفوه به العرب على منهاجها"37، ولم ير سيبويه هذا الشرط ملزماً إذ انه يعد من قبيل المعرب ما ترك على حاله.38 وهناك من المحدثين من يؤيد ذلك ويرى التعريب كنقل للفظ الأعجمي إلى العربية دون شرط إجرائه على مناهجها.39

وكان الهدف بادئ الأمر علمياً بحتاً و هو التفريق بين ما هو عربي أصلاً وبين ما هو عربي مستحدثاً في اللغة العربية ذلك الوقت. ولكن لم يكن هناك ما يشير إلى محاولة أو جهود منظمة أو مقصودة للتعريب، أو الحد من دخول تلك الكلمات التي كانت تعرب بصورة تلقائية. وموقف اللغويين من الدخيل كان موقفاً موضوعياً ولم يتبلور بعد إلى موقف أخلاقي، أو موقف تطهير لغوي (language purism) وأقتصر على جانب واحد فقط من اللغة هو الجانب المعجمي الصرفي المتعلق بالاقتراض اللفظي.40وربما يكون لقوة مركز العرب الحضاري في ذلك الوقت دور في ذلك، لأنه لم يكن هناك بالنسبة لهم ما يخشونه من الثقافات الأخرى، فكانوا أقل حساسية تجاه الاقتراض اللغوي منهم الآن.

وبعد توسع الدولة الإسلامية واستفحال ظاهرة اللحن ربما لعاملين أساسيين: الأول هو قوة التداخل والتأثر بين العربية والفارسية، حيث كانت حواظر الحضارة الاسلامية مزدوجة اللسان وسكانها يمكن وصفهم حديثاً بأنهم "ثنائيو-اللسان" والثاني هو زيادة دخول الأعاجم في الإسلام واصطدامهم بصعوبة التفريق بين ما هو عربي وما هو فارسي. وازداد على ما يبدو ظهور اللهجات الهجينة في الأمصار البعيدة عن المركز العربي، وبدأت تشتد قوة الطرد اللغوي كلما بعدت الأمصار عن المركز اللغوي العربي. وبدأت تطرأ على العربية بوادر التغير ليس فقط من حيث دخول المفردات إليها أو اللحن بها ولكن من حيث التغير الصوتيمي و القواعدي. وكان علية القوم يحرصون على تعليم أولادهم اللغة العربية السليمة وتهذيب ألسنتهم، خوفاً على ضياع لغتهم و من أجل تمييزهم عن العوام والموالي- الذين تمادوا في اللحن في العربية41، وكان ذلم مستهجناً من قبل العرب إلى حد كبير يستهجنون اللحن ويتضح هذا من قول ابن شبرمة "إن الرجل ليلحن وعليه الخز الأدكن فكأن عليه أخلاقاً"42

وقد قرب الخلفاء العباسيون الفرس لهم، لأسباب سياسية ومذهبية، وولوهم المناصب المهمة في الجيش والدواوين واشتهر منهم الكثير مثل أبي مسلم الخرساني والبرامكة، و بني سهل وغيرهم ممن توارثوا الوزارة في العصر العباسي، حتى أنه لم يكن بين الوزراء العباسيين أحد من العرب.43وقد ارتفعت أسهم الفرس في العصر العباسي وقويت شوكتهم وبدأوا في منافسة العرب في جاههم وسلطانهم، وبدأت تظهر بوادر الشعوبية ومحاولة الارتقاء بالفارسية على حساب العربية، وظهرت مرحلة من الازدواج اللغوي في مراكز الدولة الإسلامية، كانت فيها الفارسية والعربية في شبه صراع لتسيد الساحة اللغوية وظهر مؤلفون يؤلفون بالعربية والفارسية. وقد انتعشت الترجمة من الفارسية في عصر المنصور وترجمت العديد من الكتب من الفارسية بأمر منه ومنها كتاب كليلة ودمنة.44

العصر الذهبي للتعريب:

هناك الكثير ممن يعتبر الفترة بين القرنين الثاني والرابع الهجري على أنها العصر الذهبي للتعريب في الحضارة الإسلامية ويعزون ذلك إلى نشاط حركة الترجمة في عهدي الرشيد والمأمون وفي هذين العهدين شهدت الدولة الإسلامية قدراً كبيراً من الاستقرار و الازدهار، وكانت عائدات الدولة الإسلامية من الجزية والخراج غير مسبوقة من حيث حجمها وانتظام وصولها؛ فحكم الخليفة هارون الرشيد استمر ثلاثة وعشرين عاماً من 786-809م وبلغت فيه حدود الدولة الإسلامية أقصاها، ثم تلاه الأمين الذي لم يدم حكمه إلا أربع سنوات ليأتي المأمون ويتولى الخلافة لمدة عشرين عاماً (813-833م).

وقد جاء العصر العباسي بكثير من الأسئلة التي احتدم الجدل حولها، مثل مسألة الخلافة، خلق أو تنزيل القرآن، علاقة المسلمين بغيرهم ممن يتبعون الديانات الأخرى، فانتشرت المدارس الفكرية الإسلامية المختلفة. وكان الحوار الفكري في ذلك الوقت حواراً فقهياً وفلسفياً عميقاً يتسم بالحرية والانفتاح.45

وقد شجع المأمون الاجتهاد والاتجاهات العقلانية في التفسير التي تقول بأحقية الأكفاء في خلافة المسلمين وذلك للرد علي غلاة الشيعة الذين يرون الخلافة في سلالة علي رضي الله عنه، ولذلك لم يكن عهد المأمون عهداً منفتحاً، يكفل الكثير من الحريات الشخصية فحسب بل كان القضاء في عهده مستقل إلى حد كبير،46مما وفر مناخاً صحياً وبيئة خصبة ساعدت على تطور العلوم و ازدهار الحضارة في عصره الذي جمع بين الاستقرار وتوفر الحريات اللازمة.

والخليفة المأمون، هو الذي أنشأ (حسب المصادر التاريخية) أول أكاديمية علمية هي "بيت الحكمة" في بغداد. و كانت تعنى بالتأليف والبحث العلمي ومن بين أنشطتها الترجمة ونقل المعرفة. وقد ذكر ابن النديم أن ما تم ترجمته في ذلك الوقت يزيد على أربعمائة كتاب منها 149 كتاب في الطب، وكثير من هذه الكتب ترجم من السريانية لأن اغلب المشتغلين بالعلوم في ذلك الوقت هم من النساطرة النصارى واليهود واشتهر منهم في ذلك الوقت بعض المترجمين مثل اسحق بن حنين، وابنه حنين، ومتى بن يونس، وقسطا لوقا والأعسم وغيرهم. وفيها ترجمت كتب الفلسفة والطب من اليونانية والسريانية. وترجم جالينوس و أرسطو، و أفلاطون، و إقليدس وغيرهم إلى العربية.47

ومما يجدر التنويه به هنا هو أن "بيت الحكمة" لم يكن دار ترجمة فقط بالرغم من أنها اشتهرت بالترجمة أكثر من غيرها، فربما كانت دار بحث وتأليف وأن الترجمة ظهرت نتيجة لتلبية حاجة الدارسين والباحثين للاطلاع على العلوم باللغات الأخرى، كما أنها لم تعنى بالترجمة من السريانية واليونانية فقط وإنما عنيت بالترجمة من الفارسية والهندية وربما غيرها من اللغات، وربما ترجم في بيت الحكمة إلى لغات أخرى غير العربية: كالسريانية واليونانية للفارسية؛ فالسهل بن هارون خازن بيت الحكمة في عهد المأمون كان فارسياً كما كان غيره من الوزراء والكتاب في الدواوين في ذلك الوقت.

وبالرغم من انتعاش حركة الترجمة والتعريب في هذه المرحلة، والتي كانت لها دوافع سياسية وطائفية، إلا أن هناك في معظم الأحيان سوء فهم للدور الذي لعبته الترجمة في تشكيل الحضارة العربية الإسلامية. فالبعض يعزو هذه الحضارة للتعريب ويرى دوراً أساسياً للتعريب في نشوء هذه الحضارة، ومن بينهم بعض الدعاة المتحمسين للتعريب. بينما يرى البعض الآخر وخاصة من المستشرقين أن ما قام به العرب والمسلمون هو فقط ترجمة ومحاكاة التراث اليوناني،48 وأن العرب والمسلمين لم يكونوا صناع حضارة، وهذا رأى في زعمنا، إضافة لكونه غير مبرر، مجحف في حق التاريخ الحضاري العربي والإسلامي، وفيه انتقاص واضح لدورهم التاريخي. إذ أن جميع الشواهد الحضارية توضح تفرد وأصالة الثقافة الحضارة العربية الإسلامية.

ويرى آل علي، أن تأثر العرب بالفرس أعظم وأشمل من تأثرهم بالروم، وقد امتزجت الحضارة الفارسية بالعربية، في مرحلة تشكيل الثانية في العهدين الأموي والعباسي، بشكل موسع طبع اللغة العربية والفنون والموسيقى لدرجة أصبح معها جزءاً لا يتجزأ من العربية واعتبر عربياً، بينما كان التأثر بالرومان كان محدوداً وبقى هامشياً، ولذلك بقي واضحاً.

والقول بأن الحضارة العربية الإسلامية قامت علي النقل والتعريب، وهو قول مردود لعدة أسباب لابد من الوقوف على بعضها:

فالعرب عندما ترجموا من اليونانية كانوا قد وصلوا إلى مرحلة من التطور الفكري والعلمي الذي يمكنهم من هضم وإعادة إنتاج التراث اليوناني والسرياني وغيره. فعياد (1993) يرى أن الحياة الأدبية العربية، على سبيل المثال، كانت في ذلك الوقت "قابلة لأن تتلقى هذا التيار اليوناني بكثير من الاهتمام، فاحتل مكانه منذ البدء بكثير من الوضوح والتميز".49، ويتضح أيضاً من المناظرة المعروفة بين متى بن يونس أحد المترجمين السريان من اليونانية للعربية وبين أبي سعيد السيرافي في مجلس الوزير الفضل بن الفرات، والتي أوردها أبو حيان التوحيدي في "الإمتاع والمؤانسة"، واعترض فيها السيرافي على إمكانية قياس الكلام بالمنطق الإغريقي وأوزانه كما كان يرى متى بن يونس،50 أن قبول الفكر اليوناني في العربية لم يكن تلقائياً وأنه كان في ذلك الوقت للعرب فكر أصيل يوازن أو يفوق كل ما هو دخيل.فالحضارة العربية في ذلك الوقت كانت طرفاً فاعلاً مؤثراً في حوارها مع الثقافة اليونانية عبر النصوص التي ترجمها النساطرة المسيحيون.

ودراسات الترجمة الحديثة تؤكد عدم إمكانية الترجمة إلى لغة لا تكافئ أو على الأقل تقارب اللغة المترجم منها من حيث المستوى العلمي والفكري. والعرب قاموا بالترجمة من اليونانية في بداية القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) بعد أن بلغت الحضارة الإسلامية شأناً كبيراً، وبعد أن ظهر كتاباً وعلماء وفلاسفة عرب يقارعون التراث المترجم، فالجاحظ (773-869م) ، والخليل بن أحمد (718-791م) و الرازي (865-925م)، والبيروني (973-1050م)، والكندي (796-873م) والخوارزمي (780-850م) وأبو العلاء المعري (973-1057م)، وغيرهم كثير، عاصروا فترة بيت الحكمة.51

وكما ذكرنا سابقاً فلم تقتصر الترجمة على اليونانية، وإنما كانت أيضاً من الفارسية والهندية، والسريانية، وغيرها. وكثير من التراث اليوناني لم يترجم مباشرة وإنما ترجم من السريانية، وربما أيضاً لم يكن ترجمة أصلاً بل كان نوعاً من التأليف باللغة العربية، التي كما ذكرنا سابقاً أصبحت اللغة الوسيطة للعلم والثقافة في ذلك الوقت، حتى أن العبادة والطقوس الدينية في بعض الديانات الأخرى مثل السريانية، والقبطية واليهودية كانت في ذلك الوقت تتم باللغة العربية.

وهناك دليل أخر على محدودية تأثر العرب بالتراث اليوناني وهو أن الترجمة من اليونانية إلى العربية التي قام بها السريان على وجه الخصوص في ذلك الوقت، كانت ترجمات في مجملها غير دقيقة لأن هؤلاء لم يجيدوا اللغة العربية بالشكل المطلوب ولأنهم، ولأسباب دينية، لم يندمجوا في الثقافة العربية ولم يكن اتصالهم بها قويا. فكان ناشئتهم يتعلمون في الأديرة،52 وقل منهم من أجاد العربية مثل حنين أبن اسحق الذي تلقى العربية على يد الخليل بن أحمد. وكما تذكر المصادر التاريخية، كان الكثير منهم يلجا إلى الغير في تقويم عبارته العربية، و كانوا محط شك معاصريهم مثل الجاحظ و السيرافي، وفي أحيان كثيرة كانوا محل التندر والطرافة لضعف لغتهم العربية. إضافة إلى ذلك كان دافعهم للترجمة ديني وطائفي في المقام الأول. فهم ترجموا بعض كتب الفلسفة اللاهوتية اليونانية، والمنطق كوسيلة للإقناع ونشر الدين المسيحي.53وهم لجأوا للمنطق الإغريقي لمقارعة الفلاسفة المسلمين الذين تجاوزوهم في العمق الفكري والإقناع المنطقي.

و يذكر الدبيان (1993) بعض المآخذ على مترجمي ذلك الوقت مما ترك أثراً سيئاً على اللغة العربية كإدخال الكثير من الكلمات الأعجمية مما لا تحتاجه اللغة العربية لغرض تقريب النصوص المترجمة لأصولها الأجنبية، أو لعدم الإلمام الكافي باللغة العربية. وكذلك أدخلوا على العربية أساليب جديدة في الكتابة مخالفة للسليقة العربية مثل الإكثار من استخدام الأفعال، و المصادر الصناعية، والأبنية للمجهول. كما أن الكثير من المترجمين ينقصهم التخصص في المجالات التي يترجمون فيها، وأحياناً الاطلاع الكافي على اللغة التي يترجمون منها. وكان الدافع للترجمة في كثير من الأحيان الطمع في العطايا والهبات التي أغدقها الخلفاء في ذلك الوقت على المترجمين.54

وربما كان المترجمون في ذلك الوقت يلجأون لتعريب بعض الألفاظ التي تستعصي عليهم ترجمتها أو فهمها كما فعل متى بن يونس عندما عرب كلمة "القوانين" ب "الفواسس". 55 أو كلمتي "الكوميديا" و "التراجيديا"، على سبيل المثال، اللتين عربهما أبن سينا ب "طراغوذيا" و "قوموذيا".56 علماً بأن متى بن يونس كان قد ترجم هاتين الكلمتين إلى "الهجاء" و "المديح" بالرغم من التباعد الواضح سواء بين معني الأصل والترجمة أو بين الترجمتين.

فاللغة العربية من أجل أن تستوعب التراث اليوناني والهندي والسندي والفارسي، كان لابد أن تكون على درجة كبيرة من السعة والتطور، ولابد أن يتوفر فيها بنى وتراكيب عقلية علمية على قدر كبير من التعقيد، تواكب جميع ما لدى تلك اللغات. ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، الترجمة إلى لغة تفتقر للبنى المفاهيمية المتجذرة في اللغات المترجم منها؛ ولعل أكبر دليل على ذلك هو صعوبة الترجمة للغة العربية من اللغات الآوربية في الوقت الحالي نتيجة لافتقار اللغة العربية لمثل هذه البنى. فالترجمة من اليونانية والسريانية، علي عكسها من الفارسية في بادئ الأمر، تمت على مستوى الأجناس اللغوية المتطورة، أي أجناس الكتابات الأدبية والفلسفية والعلمية التي سبق أن تطورت نتيجة لتمازج ثقافات مختلفة فيما عرف لاحقاً بالحضارة العربية الإسلامية. فالترجمة لم تكن، حسب رأينا، عاملاً حاسما في ظهور الحضارة الإسلامية، وإنما لعبت دوراً ثانوياً فقط في إثراء التراث العربي والإسلامي.

ويشبه السيميائي لوتمان (1990) عملية التثاقف بين أي حضارتين (acculturation) بالدخول في حوار تكون فيه إحدى الحضارتين نشطة مثلها مثل المتكلم والأخرى أقل نشاطاً وتكون بمثابة المتلقي. وهو يرى أن ذلك الحوار يمر بخمس مراحل: في الأولى، تدخل النصوص إلى الحضارة المتلقية وتحافظ على نكهتها الأجنبية وتبدو كنصوص غريبة. أما المرحلة الثانية، فهي تتمثل في اندماج واستيعاب هذه النصوص في الثقافة المتلقية وتشكيلها نصوصاً محلية بالاختلاط بالنص
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
admin
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام
admin


ذكر عدد الرسائل : 5117
العمر : 55
نقاط : 12013
تاريخ التسجيل : 03/08/2008

الواقع والتقريب في تاريخ التعريب Empty
مُساهمةموضوع: رد: الواقع والتقريب في تاريخ التعريب   الواقع والتقريب في تاريخ التعريب Emptyالسبت فبراير 19 2011, 18:09


الواقع والتقريب في تاريخ التعريب 37276826lt5
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
https://technologie.ahlamontada.com
 
الواقع والتقريب في تاريخ التعريب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» الترجمة، التعريب والتوليد
»  تاريخ الجزائر المعاصر -مهم
» مقال عن تاريخ الرومانسية
» المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام
» دروس الوحدة الثالثة................ تاريخ

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التعليم الثانوي التكنولوجي قصر البخاري ::  المواد الأدبية :: الأداب و اللغة العربية :: مواضيع عامة-
انتقل الى: