منتدى التعليم الثانوي التكنولوجي قصر البخاري
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التشرف بتسجيل الدخول اذا كنت عضو معنا
أو التسجيل إن لم تكن عضو و ترغب في الانضمام إلي أسرة منتدى قصر البخاري سنتشرف بتسجيلك

شكرا
ادارة المنتدى
الأستاذ:شيخ رشيد



 
الرئيسيةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بلاغة التشبيه و الاستعارة و المجاز المرسل و الكناية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مصطفى بن الحاج
مشرف قسم
مشرف قسم


ذكر عدد الرسائل : 1285
العمر : 52
نقاط : 3598
تاريخ التسجيل : 26/09/2008

مُساهمةموضوع: بلاغة التشبيه و الاستعارة و المجاز المرسل و الكناية   الأحد يناير 25 2009, 11:29




بلاغة التشبيه و الاستعارة و المجاز المرسل و الكناية
مجموع في ملف واحد ليسهل تحضيره



1- أثر علم البيان في تأدية المعاني
ظهر لك من دراسة علم البيان أن معنى واحداً يستطاع أداؤه بأساليب عدة وطرائقَ مختلفة , وأنه قد يوضع في صورة رائعة من صور التشبيه , أو الاستعارة , أو المجاز المرسل , أو العقلي , أو الكناية .
فقد يصف الشاعر إنساناً بالكرم فيقول :
يريد المُلوكُ مَدى جَعْفرٍ ولا َيصْنَعونَ كما يَصْنَعُ
وَلَيْس بأَوْسعِهِمْ فيِ الغِنَى ولكِنَّ معـرُوفَه أَوسَعُ
وهذا كلامٌ بليغ جدّاً مع أنه لم يُقْصَد فيه إلى شبيه أو مجاز , وقد وصف الشاعر فيه ممدوحة بالكرم وأن الملوك يريدون أَن يبلغوا منزلته , ولكنهم لا يشترون الحمد بالمال كما يفعل , مع أنه ليس بأغنى منهم ولا بأكثر مالاً ..
وقد يعتمِد الشاعر عند الوصف بالكرم إلى أسلوب آخر فيقول :

كالْبَحْر يَقْذِف للقَرِيب جواهراً جوداً وَيَعْثُ لِلْبَعِيِد سَحَائِبَا
فيشبِّه الممدوح َ بالبحر , ويَدْفَعُ بخيالك إلى أن يضَاهِيِ بين الممدوح و البحر الذي يقذِف الدرر للقريب و يُرسل السحائب للبعيد ..
أو يقول :
هو اْلبَحْرُ مِنْ أَيِّ النواحي أَتَيْتَهُ فلُجَّتُهَ المعْروفُ وَ الجُود سَاحِلُهْ
فيدعي أنه البحر نفسه وينكر التشبيه نُكراناً يدل على المبالغة و ادعاء المماثلة الكاملة.
أو يقول:
علا فَما يَسْتَقَرُّ المال في يدِه وكيف تمْسكُ ماءً قُنَّةُ الجَبَلِ
فيرسل إليك التشبيه من طريق خفي ليرتفع الكلام إلى مرتبة أعلى في البلاغة , وليجعل لك من التشبيه الضمنيّ دليلاً على دعواه ,فإنه ادعى أنه لعلو منزلته ينحدر المال من يديه , و أقام على ذلك برهاناً فقال :
(( وكيف تمسك ماءً قٌُنَّة الجبل ؟ ))
أو يقول :
جَرَى النهر حتى خِلْتُهُ مِنْكَ أنعُماً تُساقُ بلاَ ضَنٍّ وتُعْطى بِلاَ مَنّ "1الضن."
فيقلب التشبيه زيادة في المبالغة وافتناناً في أساليب الإجادة , ويشبه ماء النهر بنعم الممدوح بعد أن كان المألوف أن تُشَبَّه النعم بالنهر الفياض ..
أو يقول :
كأنه حينَ يُعْطي المال مُبْتَسماً صَوْبُ الغمَامَةِ تَهمي وهي تأْتلِقُ "2نهمي."
فيعمد إلى التشبيه المركب , ويعطيك صورة رائعة تمثل لك حالة الممدوح وهو يجود , وابتسامة السرور تعلو شفتيه ..أو يقول :
جَاَدَتْ يَد الفَتْحِ والأَنْواءُ بَاخِلةٌ وَذابَ نَائِلُهُ والغَيْثُ قَدْ جَمَدَا
فيضاهي بين جود الممدوح والمطر . ويدعي أن كرم ممدوحة لا ينقطع إذا انقطعت الأَنواء أو جَمدَ القطر ..
أو يقول :
قَدْ قُلْتُ لِلْغيْم الرُّكام ولَجَّ في إِبْراقِهِ وأَلَحَّ في إرْعَادِه "الغيم الركام ..3"
لاَ تَعْرِضَنَّ لِجعْفَر مُتَشَبِّهاً بِندَى يَدَيْهِ فلست من ْ أَنْدادِه
فيصرح لك في جلاء وفي غير خشيه بتفضيل جود صاحبة على جود الغيم , ولا يكتفي بهذا بل تراه يَنْهَى السحاب في صورة تهديد أن يحاول التشبيه بممدوحة لأنه ليس من أَمثاله ونظرائه ..
أو يقول :
وأَقْبَلَ يَمْشِي فيِ البِسَاط فما درى إلى البَحْر يَسْعَى أمْ إلى البدْر يَرْتقى
يصف حال رسول الروم داخلاً على سيف الدولة فينزع في وصف الممدوح بالكرم إلى الاستعارة التصريحية , والاستعارة كما علمت مبنية على تناسي التشبيه والمبالغة فيها أعظم وأثرها في النفوس أبلغ ..
أو يقول:
دَعَوْتُ نَدَاه دَعْوَةً فأجابني وعَلَّمَنِي إحْسانُه كيف أمله
فيشبِّه ندى ممدوحة وإحسانَه بإنسان . ثم يحذف المشبه به ويرمز إليه بشيء من لوازمه , وهذا ضرب آخر من ضروب المبالغة التي تساق الاستعارة لأجلها .
أو يقول :
(( ومنْ قَصَدَ الْبَحر استقر الَّسواقِيا ))
فيرسل العبارة كأنها مثل , ويصور لك أن من قصد ممدوحة استغنى عمن هو دونه , كما أن قاصد البحر لا يأبه للجداول فيعطيك استعارة تمثيلية لها روعة وفيها جمال , وهي فوق ذلك تحمل برهاناً على صدق دعواه وتؤيد الحال التي يدعيها ..
أو يقول:
مَا زِلْتَ تُتْبعُ ما تُولى يداً بيدٍ حَتّى ظَنْنتُ حَياتي مِنْ أيا ديكا
فيعدِل عن التشبيه والاستعارة إلى المجاز المرسل , ويطاق كلمة " يد " ويريد بها النعمة لأن اليد آله النعم وسببها .
أو يقول :
أَعَادَ يَومُكَ أَيّاميِ لِنَضْرَتِها واقتص جُودُك مِنْ فقرِى و إعْساري فيُسند الفعل إلى اليوم وإلى الجود على طريقة المجاز العقلي ..
أو يقول :
فَما جَزَهُ جودٌ ولا حَل دُونه وَلكنْ يسيرُ الجودُ حيثُ يسيرُ
فيأتي بكناية عن نسبة الكرم إليه بادعاء أن الجود يسير معه دائماً,لأنه بدل أن يحكم بأنه كريم ادعى أن الكرم يسير معه أينما سار ..
ولهذه الكناية من البلاغة و التأثير في النفس و حسن تصوير المعنى , فوق ما يجده السامع في غيرها من بعض ضروب الكلام .
فأنت ترى أنه من المستطاع التعبير عن وصف إنسان بالكرم بأربعة عشر أسلوباً , كل ُّ له جماله وحسنُه وبراعته , ولو نشاء لأتينا بأساليب كثيرة أُخرى في هذا المعنى ,فإن للشعراء ورجال الأدب افتنانا وتوليداً للأساليب ً والمعاني لا يكاد ينتهي إلى حد , ولو أردنا لأوردنا لك ما يقال من الأساليب المختلفة المناحي في صفات أخرى كالشجاعة و الإباء و الحزم وغيرها , ولكنا لم نقْصِد إلى الإطالة , ونعتقد أنك عند قراءَتك الشعر العربيّ والآثار الأدبية ستجد بنفسك هذا ظاهراً, وسَتْدهَش للمدى البعيد الذي وصل إلية العقل الإنساني في التصوير البلاغي َوالإبداع في صوغ الأساليب ..
هذه الأساليب المختلفة التي يؤدي بها المعنى الواحد هي موضع بحث علم البيان , ولا أظنك تفهم أن القدرة على صوغ هذه الأساليب البديعة موقوف على علم البيان ؛
لأن الافتنان في التعبير لا يتوقف على درس قواعد البلاغة , وإنما يُصْبحُ المرء كاتباً مجيداً , أو شاعراً مبدعاً أو خطيباً موثراً, بكثرة القراءَة في كتب الأدب وحفظ آثار العرب , وبنقد الشعر وتفهمه , ودراسة النثر الفني وتذوق أَسراره ؛ بهذا ترسخ فيه ملكةٌ تدفعه دفعاً إلى الإحسان والإجادة , ولا بد أن يعاضد هذه الملكة طبعٌ سليم وفطرة حساسة تكون مُعينةً لهذه الملكة وظهيرة لها .
ولكنَّا بعد كل هذا لا نستطيع أ نجحــد فائــدة علــم البيان والإلمام بقوانينه ,فإنه بما يفصل من الفروق بين الأساليب ميزان صحيح لتعرف أنواعها , ودراسة أدبية للفحص عن كل أسلوب وتبين سر البلاغة فيه ..
2-بلاغة التشبيه وبعض ما أثر منه عن العرب والمحدثين
تنشأ بلاغة التشبيه من أنه ينتقل بك من الشيء نفسه إلى شيء طريف يشبهه أو صورة بارعة تمثله وكلما كان هذا الانتقال بعيداً قليل الخطورة بالبال، أو ممتزجاً بقليل او كثير من الخيال، كان التشبيه أروع للنفس وادعى إلى إعجابها واهتزازها.
فإذا قلت: فلان يشبه فلاناً في الطول، أو إن الأرض تشبه الكرة في الشكل، أو إن الجزر البريطانية تشبه بلاد اليابان لم يكن لهذه التشبيهات أثر للبلاغى لظهور المشابهة وعدم احتياج العثور عليها إلى براعة وجهد أدبي ولخلوها من الخيال.
وهذا الضرب من التشبيه يقصد به البيان والإنصاح وتقريب الشيء إلى الأفهام وأكثر ما يستعمل في العلوم والفنون.
ولكنك تأخذك روعة التشبيه حينما تسمع قول المعرى يصف نجماً:
يسرع المح في احمار كما تسارع في اتلمح مقله الغضبان()
فإن تشبيه لمحات النجم وتألقه مع احمرار ضوئه بسرعة لمحة الغضبان من التشبيهات النادرة التي لا تنقاد إلا لأديب ومن ذلك قول الشاعر:
وكأن النجوم بين داجاها سنن لاح بينهن ابتداع
فإن جمال هذا التشبيه جاء من شعورك ببراعة الشاعر وحذقة في عقد المشابهة بين حالتين ما كان يخطر بالبال تشابههما وهما حالة النجوم في رقعة اليل بحال السنن الدينية الصحيحة متفرقة بين البدع الباطلة ولهذا التشبيه روعة أخرى جاءت من أن الشاعر تخيل أن السنن مضيئة لماعة وأن البدع مظلمة قائمة.
ومن ابدع التشبيهات قول المتنبي:
بليت بلى الاطلال إن لم أقف لها وقوف شحيح ضاع في الترب خاتمه
يدعو على نفسه بالبلى والفناء إذا هو لم يقف بالاطلال ليذكر عهد من كطانوا بها ثم أراد أن يصور لك هيئة وقوفه فقال: كما يقف شحيح فقد خاتمة في التراب من كان يوفق إلى تصوير حال الذاهل المتحير المحزون المطرق برأسه المنتقل من مكان إلى مكان في اضطراب ودهشة بحال شحيح فقد في الرتاب خاتماً ثميناً ولو أردا لك أمثلة من هذا النوع لطال الكلام.
هذه هي بلاغة التشبيه من حيث مبلغ طرافته وبعد مرماه ومقدار ما فيه من خيال أما بلاغته من حيث الصورة الكلامية التي يوضع فيها أيضاً فأقل التشبيهات مرتبة في البلاغة ما ذكرت أركانه جميعها.
لأن بلاغة التشبيه مبنية على ادعاء أن المشبه عين المشبه يه ووجود الأداة وجه الشبه معاً يحولان دون هذا الإدعاء فإذا حذفت الأداة وحدها أو وجه الشبه وحده ارتفعت درجة التشبيه في البلاغة قليلاً، لأن حذف أحد هذين يقوي أدعاء اتحاد المشبه والمشبه به بعض التقوية أما أبلغ أنواع التشبيه فالتشبيه البليغ لأنه مبني على إدعاء ان المشبه والمشبه به شيء واحد.
هذا وقد جرى العرب والمحدثون على تشبيه الجواد بالبحر والمطر والشجاع بالاسد والوجه الحسن بالشمس والقمر والشهم الماضي ف يالامور بالسيف والعالي المنزلة بالنجم والحليم الرزين بالجبلن والاماني الكاذبة بالاحلام والوجه الصبيح بالدينار والشعر الفاحم بالليل والماء الصافي باللجين والليل بموج البحر والجيش بالبحر الزاخر والخيل بالريح والبرق والنجوم بالدرر والأزهار والأسنان بالبرد واللؤلؤ والسفن بالجبال والجداول بالحيات الملئوية والشيب بالنهار ولمع السيوف وغرة الفرس بالهلال ويشبهون الجبان بالنعامة والذبابة والثيم بالثعلب والطائش بالفراش والذليل بالوتد والقاسي بالحديد والصخر والبليد بالحمار والبخيل بالأرض المجدية.
وقد اشتهر رجال من العرب بخلال محمودة فصاروا فيها أعلاماً فجرى التشبيه بهم فيشبه الوفي بالسموؤل1 والكريم بحاتم، والعادل بعمر2، والحليم بالأحنف، والفصيح بسحبان، والخطيب، بقُسٍّ3 واشجاع بعمرو بن معد يكرب، والحكيم بلقمان والذكي بإياس.
واشتهر آخرون بصفات ذميمية فجرى التشبيه بهم أيضاً فيشبه العي بباقل5 والأحمق بهبنَّقة6 والنادم بالكُسَعيِّ والبخيل بمارد8 والهجاء بالحُطيئةِ9، والقاسي بالحجاج10
3-بلاغة الاستعارة
سبق لك أن بلاغة التشبيه آتية من ناحيتين: الأولى تأليف ألفاظه، والثانية ابتكار مشبه به بعيد عن الأذهان ، لا يجول إلا في نفس أديب وهب الله له استعداداً سليماً في تعرف وجوه الشبه الدقيقة بين الأشياء، وأودعه قدرةً على ربط المعاني وتوليد بعضها من بعض إلى مدى بعيدٍ لا يكاد ينتهي.
وسر بلاغة الاستعارة لا يتعدى هاتين الناحيتين، فبلاغتها من ناحية اللفظ أن تركيبها يدل على تناسي التشبيه، ويحملك عمداً على تخيل صورة جديدة تنسيك روعتها ما تضمنه الكلام من تشبيه خفى مستور.
انظر إلى قول البحتري في الفتح بن خاقان:
يسْمو بِكف عَلَى العافين حانِيَةٍ تَهْمِِِى وَطرْفٍ إِلى العلياءِ طمَّاحِ
ألست ترى كفه وقد تمثلت في صورة سحابة هتانة تصب وبلها على العافين السائلين، وأن هذه الصورة قد تملكت عليك مشاعرك فأَذْهلتْكَ عما اختبأَ في الكلام من تشبيه؟
وإذا سمعت قوله في رثاء المتوكل وقد قتل غيلة:
صريعٌ تقاضاه الَّياليِ حُشاشةً يجود بها والموتُ حُمْرُ أَظافِره
فهل تستطيع أن تبعد عن خيالك هذه الصورة المخيفة للموت، وهي صورة حيوان مففترس ضرجت أَظافره بدماء قتلاه؟
لهذا كانت الاستعارة أبلغ من التشبيه البليغ؛ لأنه وإن بنى على ادعاء أن المشبه والمشبه به سواءٌ لا يزال فيه التشبيه منوياً ملحوظاً بخلاف الاستعارة فالتشبيه فيها منسي مجحود؛ ومن ذلك يظهر لك أن الاستعارة المرشحة أبلغ من المطلقة، وأن المطلقة أبلغ من المجردة.
أما بلاغة الاستعارة من حيث الابتكار وروعة الخيال، وما تحدثه من أثر في نفوس سامعيها، فمجال فسيح للإبداع، وميدان لتسابق المجيدين من فرسان الكلام.
انظر إلى قوله عز شأنه في وصف النار:" تكاد تميز من الغيظ كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير" ترتسم أمامك النار في صورة مخلوق ضخم بطاش مكفهر الوجه عابس يغلي صدره حقداً وغيظاً.
ثم انظر إلى قول أبي العتاهية في تهنئة المهدى بالخلافة:
أَتَتْهُ الخِلاَفةُ مُنْقادة إِليْهِ تُجَرِّر أَذْيالها
تجد أن الخلافة غادة هيفاءُ مُدَلَّلَةٌ ملولٌ فُتن الناس بها جميعاً، وهي تأبى عليهم وتصدُّ إعراضاً، ولكنها تأتى للمهدى طائعة في دلال وجمال تجرُّ أَذيالها تيهاً وخَفراً.
هذه الصورة لا شك رائعة أبدع أبو العتاهية تصويرها، وستبقى حُلوة في الأسماع حبيبةً إلى النفوس ما بقى الزمان.
ثم اسمع قول البارودي:
إِذا اسْتلَّ مِنَّا سيِّدٌ غَرْبَ سَيْفِهِ تفزَّعت الأَفلاكُ والْتفتَ الدَّهْر
وخبرني عما تحس وعما ينتابك من هول مما تسمع، وقل لنا كيف خطرت في نفسك صورة الأجرام السماوية العظيمة حية حساسة ترتعد فزعاً ووهلا، وكيف تصورت الدهر وهو يلتفت دهشاً وذهولاً؟
ثم اسمع قوله في منفاه وهو نهب اليأْس والأَمل:
أَسمعُ في نفسِي دبيب الْمُنى وأَلْمَحُ الشُّبْهَة في خاطِرِي
تجد أنه رسم لك صورة للأمل يتمشى في النفس تمشياً محسا يسمعه بأذنه. وأن الظنون والهواجس صار لها جسم يراه بعينه؛ هل رأيت إبداعاً فوق هذا في تصويره الشك والأمل يتجاذبان ؟ وهل رأيت ما كان للاستعارة البارعة من الأثر في هذا الإبداع؟
ثم انظر قول الشريف الرضي في الوداع:
نسْرقُ الدَّمْعَ في الجُيوبِ حَيَاءً وبِنَِا ما بِنَا مِنَ الأَشْواق
وهو يسرف الدمع حتى لا يوصم بالضعف والخور ساعة الوداع، وقد كان يستطيع أن يقول :"نستر الدمع في الجيوب حياء"؛ ولكنه يريد أن يسمو إلى نهاية المرتقى في سحر البيان، فإن الكلمة "نسرق" ترسم في خيالك صورة لشدة خوفه أن يظهر فيه أثر للضعف، ولمهارته وسرعته في إخفاء الدمع عن عيون الرقباء. ولولا ضيق نطاق هذا الكتاب لعرضنا عليك كثيراً من صور الاستعارة البديعة، ولكنا نعتقد أن ما قدمناه فيه كفاية وغناء.
4-بلاغة المجاز المرسل والمجاز العقلي
إذا تأملت أنواع المجاز المرسل والعقلي رأيت أنها في الغالب تؤدي المعني المقصود بإيجاز ، فإذا قلت : " هزم القائد الجيش " أو " قرر المجلس كذا " كان ذلك أوجز من أن تقول : " هزم جنود القائد الجيش " ، أو " قرر أهل المجلس كذا " ، ولا شك أن الإيجاز ضرب من ضروب البلاغة .وهناك مطهر آخر للبلاغة في هذين المجازين هو المهارة في تخير العلاقة بين المعني الأصلي والمعني المجازي ، بحيث يكون المجاز مصوراً للمعني المقصود خير تصوير كما في إطلاق العين علي الجاسوس ، والأذن علي سريع التأثير بالوشاية . والخف والحافر علي الجمال والخيل في المجاز المرسل ، وكما في إسناد الشيء إلي سببه أو مكانه أو زمانه في المجاز العقلي فإن البلاغة يوجب أن يختار السبب القوي والمكان والزمان المختصان
وإذا دققت النظر رأيت أن أغلب ضروب المجاز المرسل والعقلي لا تخلو من مبالغة بديعة ذات أثر في جعل المجاز رائعاً خلاباً ، فإطلاق الكل علي الجزء مبالغة ومثله إطلاق الجزء وإرادة الكل ، كما إذا قلت : " فلان فم "تريد أنه شره يلتقم كل شئ . أو " فلان أنف " عندما تريد أن تصفه بعظم الأنف فتبالغ فتجعله كله أنفاً . ومما يؤثر عن بعض الأدباء في وصف رجل أنافي (3) قوله : " لست أدري أهو في أنفه أم أنفه فيه " .
5- بــلاغة الكِنـــاية
الكناية مَظْهَر من مظاهر البلاغة , وغاية لا يَصِل إليها إلا من لَطف طبعُة وصَفت قريحته , والسرُ في بلاغتها أنها في صور كثيرة تُعطِيكَ الحقيقة مصحوبة بدليلها , و القضية وفي طَيها بُرْهَانُ ,كقول البحتري في المدح :

يغُضون َفضْل اللحْظِ مِنْ حيثُ مَا بَدَا لهُم عنْ مَهيبٍ في الصدور محَببِ
فإنه كَنى عن إكبار الناس للممدوح وَهَيْبِتهِمْ إياه بغَض الأبصار الذي هو في الحقيقة برهان على الهيبة والإِجلال , وتظهر هذه الخاصة جليةً في الكنايات عن الصفة والنسبة .
ومن أِسباب بلاغة الكناية أَََنها تََضَع لك المعاني في صور المحسنات , ولا شك أن هذه خاصة الفنون فإن المصور إذا رسم لك صورة للأَمل أَو اليأس بَهرَك و جَعَلك ترى ما كنت تَعْجزُ عن التعبير عنه واضحاً ملموساً .
فمثل (كثير الرماد ) في الكناية عن الكرم و (رسول الشر ) في الكناية عن المزاح وقول البحتري :
أَمَاَ رأَيْتَ الْمَجْدَ أَلْقى رَحْلةُ فيِ آلِ طَلْحةَ ثم لَمْ يتَحَولِ
في الكناية عن نسبة الشرف إلى آل طلحة , كلُّ أُولئك يُبرِزُ لك المعاني في صورة تشاهدها و ترتاح نفسُك إليها .
ومن خواص الكناية أنها تمكِّنك من أن تَخْدِشَ وجه الأَدب , وهذا النوع يسمى بالتعريض , ومثاله المتنبي في قصيدة يمدح بها كافوراً ويُعرِّض بسيف الدولة :

رحلتُ فكَمْ باكٍ بأَجفان شادِنٍ عَلَىَّ وكم باكٍ بأَجفانِ ضَيْغَمِ"الشادن.1"
وَمَا ربة القُرْطِ المليح مكانُةُ بأجْزَعَ من رَبِّ الحسَام المصمم"القرط.2"
فَلَوْ كان ما بي مِنْ حبيبٍ مُقنَّعٍ عذَرْتُ ولكنْ من حبيبٍ مُعَمَّمِ
رَمى واتقى رمى ومن ْ دون ما اتقى هَوَّى كاسر ٌ كفِّى وقوسِي و أسهمي
إذا ساء فعل المرء ساءَت ظنونه وصدق مـا يعتاده من توهم
فإنه كنى عن سيف الدولة أولاً بالحبيب المَعََّمم , ثم وصف بالغدر الذي يدعي أنه من شيمة النساء , ثم لامه على مباد هته بالعدوان , ثم رماه بالجبن لأنه يرمي ويتقي الرمي بالاستتار خاف غيره , على أن المتنبي لا يجازيه على الشر بمثله لأنه لا يزال يحمل له بين جوانحه هوى قديماً يكسِر كفه وقوسَه وأسهمه إذا حاول النضال, ثم وصفة بأنه سيئ الظن بأصدقائه لأنه سيئ الفعل كثير الأوهام و الظنون حتى ليظن أن الناس جميعاً مثلهُ في سؤ الفعل وضعف الوفاء . فانظر كيف نال المتنبي من سيف الدولة هذا النيل كله من غير أن يذكر من اسمه حرفاً .
هذا ,ومن أوضح ميزات الكناية التعبير عن القبيح بما تسيغ الآذان سماعه . وأمثلة ذلك كثيرة جداً في القرآن الكريم وكلام العرب , فقد كانوا لا يعبرون عما لا يحسن ذكره إلا بالكناية , وكانوا لشدة نخوتهم يكنون عن المرأة بالبيضة والشاة .
ومن بدائع الكنايات قول بعض العرب :

ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام "2ذات عرق ."
فإنه كنى بالنخلة عن المرأة التي يحبها .
ولعل هذا المقدار كاف في بيان خصائص الكناية وإظهار ما تضمنته من بلاغة وجمال .....


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
admin
المـديـر العـــام
المـديـر العـــام


ذكر عدد الرسائل : 4986
العمر : 49
نقاط : 11785
تاريخ التسجيل : 03/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: بلاغة التشبيه و الاستعارة و المجاز المرسل و الكناية   الإثنين يناير 26 2009, 07:27

مشكور أخى السفيرعلى هذه المواضيع القيمة
بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://technologie.ahlamontada.com
akrambench
نائب المدير
نائب المدير


ذكر عدد الرسائل : 1171
العمر : 52
نقاط : 1242
تاريخ التسجيل : 04/08/2008

مُساهمةموضوع: رد: بلاغة التشبيه و الاستعارة و المجاز المرسل و الكناية   الإثنين يناير 26 2009, 22:00

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مصطفى بن الحاج
مشرف قسم
مشرف قسم


ذكر عدد الرسائل : 1285
العمر : 52
نقاط : 3598
تاريخ التسجيل : 26/09/2008

مُساهمةموضوع: رد: بلاغة التشبيه و الاستعارة و المجاز المرسل و الكناية   الثلاثاء مايو 19 2009, 08:03



قال صلى الله عليه وسلم "المؤمن يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، وخير الناس أنفعهم للناس


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بلاغة التشبيه و الاستعارة و المجاز المرسل و الكناية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى التعليم الثانوي التكنولوجي قصر البخاري ::  المواد الأدبية :: الأداب و اللغة العربية :: السنة الثالثة بمختلف شعبها-
انتقل الى: